يحيي بن حمزة العلوي اليمني

153

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

المثال الثالث من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه ، ولقد كان له عليه السلام من الاستدراجات الرائقة خاصة مع معاوية ، وفرق الخوارج وغيرهم ممن نكص عن الإسلام على عقبيه ، ولغيرهم من أصحابه من العنايات الحسنة ما يشفى غليل الصدور ، ويوضح ملتبسات الأمور ، فمن ذلك ما ذكرناه خطابا لمعاوية فاتق الله يا معاوية في نفسك ، وجاذب الشيطان قيادك ، فإن الدنيا منقطعة عنك ، والآخرة قريبة منك ، فكيف أنت إذا انكشف عنك جلابيب ما أنت فيه من دنيا قد بهجت بزينتها ، وخدعت بلذتها ، دعتك فأجبتها ، وقادتك فأتبعتها ، وأمرتك فأطعتها ، وإنه يوشك أن يقفك واقف على ما لا ينجيك منه منج ، فاقعس عن هذا الأمر ، وخذ أهبة الحساب ، وشمر لما نزل بك ، ولا تمكن الغواة من سمعك ، فهذا وما شاكله استدراج وحسن ملاطفة ، وله عليه السلام في غير هذا الموضع كلام فيه خشونة عظيمة ، ومن ذلك ما قاله لعبد الله بن عباس عند استخلافه إياه على البصرة : سع الناس بوجهك ومجلسك وحلمك ، وإياك والغضب فإنه طيرة من الشيطان ، واعلم أن ما قربك من الله بعدك من الشيطان والنار ، وما باعدك من الله يقربك من النار والسلام ، ومن ذلك يخاطب به معاوية ، مناصحة له وتقريبا له من الحق : أما بعد فإن الله جعل الدنيا لما بعدها ، وابتلى فيها أهلها ليعلم أيهم أحسن عملا ، ولسنا للدنيا خلقنا ، ولا للسعى فيها أمرنا ، وإنما وضعنا فيها لنبتلى بها ، وقد ابتلانى الله بك وابتلاك بي ، فجعل أحدنا حجة على الآخر ، فغدوت على طلب الدنيا بتأويل القرآن ، فطلبتنى بما لم تجن يدي ولا لساني ، وعصيته أنت وأهل الشأم ، وألب عالمكم جاهلكم ، وقائمكم قاعدكم ، فاتق الله في نفسك ، ونازع الشيطان قيادك ، واصرف إلى الآخرة وجهك ، فهي طريقنا وطريقك ، واحذر أن يصيبك الله بعاجل قارعة تمس الأصل ، وتقطع الدابر ، فإني أولى لك بالله ألية غير فاجرة ، لئن جمعتنى وإياك جوامع الأقدار لا أزال بساحتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين . وقال أيضا مخاطبا له أما بعد ، فقد علمت إعذارى فيكم ، وإعراضى عنكم ، حتى كان ما لا بد منه ، ولا مدفع له ، والحديث